حتى لا يطير الدخان !

الكاتب : أسامة عبد الرحيم 

كل جرح وله نزيف، ونزيف النفوس المكسورة غالبا سببه مرور أحمق ما في طريقهم فجأة، وثقوا به فعبث في مسارهم وخربش في لوحة صفائهم ثم هرب، والرحمة بتلك النفوس أثره عظيم، ووجود القلوب الرحيمة على كوكبنا المتشرخ نعمة كبيرة، لأنها تنشر العلاج وتشيع الأمل.

ومبعث الأمل فلسفة يابانية قديمة لا تعتبر الإناء المكسور أقل قيمة ولا يصلح للاستخدام، بل تراه مشروع لإناء أغلى وأكثر جمالا، بعد اصلاح الجزء المكسور بلصقه بالذهب، ولذلك فإن جبر النفوس والقلوب المكسورة يجعلها أفضل وأجمل مما كانت عليه، والدليل ان الجِراح التي طرزت حياتك هي التي صنعت منك جوهرة.

والعلاج بسيط جدا وسهل وغير مكلف مجرد كلمة طيبة، تغرسها في نفس مكسورة فتنمو في لمح البصر شجرة مثمرة، تتدلى من أغصانها قطوف احلى فاكهة واجملها نظرة، ولن نخسر مالا ولا جهدا ان يكون لساننا جابرا لخواطر النفوس المقهورة والقلوب المكسورة، وان لم نكن نحسن الكلام فلنصمت حتى لا نزيد العك عكاً.

تحكي محدثتي التي تجيد تطبيب النفوس المكسورة واقعة طريفة بالقول “وأنا في المترو بلعب في الموبايل بنتين قاعدين قدامي بيتريقوا علي شعري بشكل رخم وصوتهم عالي وواصلي يعني مش هاممهم اني حتي اسمع يعني منتهي قله الذوق رفعت عيني عشان اهزقهم لقيتهم بنتين بعبايات سودا متبهدله وبشره شقيانه نقص الفيتامينات”.

وتسترسل في وصف الفتاتيتن ” واضح جدا عليهم رغم المكياج التقيل افتكرت موقف زمان مع بنت عمي إيمان الله يرحمها إيمان كانت جميله جدا شكلا واتخرجت من الجامعه واشتغلت علي طول في ماسبيرو واتعرفت علي مخرج شاب وسيم واتجوزوا عن حب”.

وتتوغل في سرد حكايتها “قريبتنا جت تباركلها علي جوازها وإيمان عملت قهوه من غير وش فقريبتنا ضحكت واتريقت عليها وقامت هي عملت القهوه مظبوطه بوش وفضلت تتريق علي إيمان الغريب ان بابا وقف مع قريبتنا الرخمه وفضل يمدح في قهوتها واحنا كلنا مستغربين لأن بابا دايما بيدافع عنا كلنا ضد اي حد اشمعنا هنا وقف ودافع عنها”.

وتكشف محدثتي عن الشجرة الطيبة التي تلقت منها فن تلحيم كسر النفوس وتقول “وبعد ما قريبتنا مشيت بابا اعترف انه تعمد يدافع عن وش القهوه لأن البنت كان جمالها للاسف أقل ومتعثره جدا في تعليمها وحظها وحش جدا في العلاقات وبابا قال كلمه حكمه هي معندهاش غير وش القهوه تفرح بيه متستكتروش عليها الفرحه حتي ولو علي حاجه هايفه”.

وتشرد قليلا بخيالها الذي قطعه السرد وتقول “انا افتكرت الموقف ده في المترو وبدأت اتعاطف مع البنتين اللي ظاهر ان الدنيا طحناهم وشقيانين وبدل ما اتخانق قمت وقربت منها وقولتلها انتي فعلا شعرك جميل جدا “.

وعن رد فعل الفتاتين تحكي محدثتي أن “البنتين ارتبكوا جدا لأن رد الفعل مكنش متوقع خالص وضحكوا وواحده فيهم حاولت تعتذرلي فأنا قولتلها شعري كيرلي عشان خارج من رأسي يرقص من الأفكار اللي شايفها جوه وانا سيباه يرقص براحته مش عاوزه انكد عليه”.

وختاما خرجت محدثتي بالحكمة والدرس المستفاد بأن “البنتين ضحكوا واتقلبت من مشاعر الخناق لضحكه لطيفه .. يا ريت نتعلم تشجيع النفوس الضعيفة و المنحنية تحت ثقل الدونية ، ونعلم جيدا ان ما تفعله تلك النفوس بسخريتها من الاخرين ، ما هو إلا حيلة دفاعية من اجل التعويض عما تعانى منه” .

ومن المهم التأكيد بأن النفوس المكسورة عندما تنتقم لن تتخيل شر قسوتها، وأعتقد أن قطاعا كبيرا ممن شاهدوا فيلم “انتبهوا أيها السادة” الذى جرى إنتاجه منذ نحو 41 عاما، يتندرون على الصرخة المدوية التي أطلقها، لأنه أراد تنبيه المجتمع بأن الفروق الطبقية لا تستلزم ازدراء واحتقار “الزبال”، وهو ما جعله في النهاية يقرر الانتقام ويعود بعدما حقق الثراء ويسرق خطيبة دكتور جامعي، نفس الرسالة حملها فيلم “حتى لا يطير الدخان”.

احذر ان تحتقر احد او تكسر نفسه فان تلك النفوس المكسورة يجبر الله كسرها ولكن يبقى اثرها عليك طول عمرك، ومن يسعى إلى مواساة النفوس المتعبة وترميم القلوب المكسورة، يأبى الله إلا أن يُرضيه في أحب الأشياء إلى قلبه ، ويرزقه من حيث لا يحتسب، رمم يا رب القلوب المقهورة واجبر الخواطر المبتورة واشف النفوس المكسورة، واجعل نهاية 2021 جبراً لسكان كوكبنا المشروخ.

 

واقرا ايضاً :
تصاميم مثالية من ليم للاسترخاء في المنزل بأناقة
دينا الشربيني تتصدر مواقع البحث بسبب روبي
نغم منير تحتفل بميلاد سما وريان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.